/ الْفَائِدَةُ : (37/ 304) /

20/04/2026



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. [مَرَاتِبُ الْعِلْمِ وَغَايَةُ الِاسْتِكْمَالِ: مِنْ مَحْبِسِ الْمَحْدُودِيَّةِ إِلَىٰ مَقَامِ (الْعَلِيمِ) الْمَعْصُومِ] [مَعَارِجُ الِاسْتِكْمَالِ الرُّتَبِيِّ: قِرَاءَةٌ فِي لَا تَنَاهِي طَبَقَاتِ المَعْرِفَةِ وَفْقَ المَنْظُورِ الوَحْيَانِيِّ] [أُفُقُ العِلْمِ المَفْتُوحِ: جَدَلِيَّةُ الصُّعُودِ المَعْرِفِيِّ وَنَفْيِ الِانْقِطَاعِ الرُّتَبِيِّ] إِنَّ مَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ المَعْرِفِيَّةُ ، وَأَحْكَمَتْهُ مَبَانِي التَّنْزِيلِ ، يُؤَسِّسُ لِقَاعِدَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ كُبْرَى ؛ نَاطِقَةٍ بِـ (عَدَمِ تَنَاهِي مَرَاتِبِ العِلْمِ وَطَبَقَاتِ المَعْرِفَةِ) ؛ إِذْ تَتَفَاوَتُ المَدَارِكُ فِي مَعَارِجِ الصُّعُودِ تَفَاوُتاً يَنْفِي الِانْقِطَاعَ . فَالإِنْسَانُ فِي مَسِيرَتِهِ التَّكَامُلِيَّةِ يَنْتَقِلُ مِنْ (مَحْبِسِ المَحْدُودِيَّةِ) وَضِيقِ الإِطَارِ البَشَرِيِّ ، لِيَرْتَقِيَ فِي سُلَّمِ الكَمَالِ مَوْصُولاً بِمَدَدِ الغَيْبِ ، وُصُولاً إِلَى مَقَامِ (العَلِيمِ المَعْصُومِ) الَّذِي اسْتَوْعَبَ أَنْوَارَ الحَقِيقَةِ . وَهٰذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : أَوَّلًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) : ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (1). ثَانِيًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ اسْمُهُ) : ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (2). ثَالِثًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (3). رَابِعًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) : ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (4). فَهَذِهِ بَرَاهِينُ وَحْيَانِيَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ مَرَاتِبَ اليَقِينِ وَالظَّنِّ وَالِاحْتِمَالِ تَتَسَلْسَلُ فِي عَوَالِمَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ ؛ حَيْثُ تَنْفَرِدُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ بِخُصُوصِيَّةٍ مَعْرِفِيَّةٍ وَمِيْزَةٍ كَاشِفَةٍ لَا تُشَارِكُهَا فِيهَا غَيْرُهَا . إِنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ تُمَثِّلُ رَكِيزَةً مَنْهَجِيَّةً خَطِيرَةً وَبَالِغَةَ الأَهَمِّيَّةِ ، تَسْتَدْعِي مِنَ البَاحِثِ صَرْفَ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَالتَّفَطُّنَ لِأَبْعَادِهَا وَاسْتِفْرَاغَ الوُسْعِ فِي سَبْرِ غَوْرِهَا ؛ إِذْ تُحَرِّرُ العَقْلَ مِنْ مَحْبِسِ الِارْتِهَانِ لِلْمُدْرَكَاتِ المُتَنَاهِيَةِ ، وَتَفْتَحُ لَهُ آفَاقَ التَّرَقِّي فِي "مَعَارِجِ الكَمَالِ العِلْمِيِّ" الَّتِي لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ وَغَايَةٍ . وَعُصَارَةُ الْقَوْلِ : أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَىٰ الْيَقِينِ لَيْسَ مَسْلَكًا أُحَادِيًّا ضَيِّقًا ، بَلْ هُوَ "سُلَّمٌ مَعْرِفِيٌّ" تَتَعَدَّدُ مَرَاقِيهِ بِتَعَدُّدِ قُوَى النَّفْسِ وَرَوَافِدِ الْعَقْلِ . وَإِنَّ تِلْكَ الْمَرَاتِبَ الْعِلْمِيَّةَ تَتَرَامَى فِي عَالَمِ "لَا تَنَاهِي الْكَلِمَاتِ الْإِلَهِيَّةِ" ، حَيْثُ لَا يَقِفُ الطَّمُوحُ الْعِلْمِيُّ عِنْدَ سَقْفٍ مَحْدُودٍ ، بَلْ يَتَصَاعَدُ كُلَّمَا انْكَشَفَتْ لِلْبَاحِثِ حَيْثِيَّاتٌ جَدِيدَةٌ فِي مَقَامِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْكُلِّيَّاتِ وَتَعَيُّنَاتِهَا الْخَاصَّةِ . وَصَفْوَةُ القَوْلِ : أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اليَقِينِ لَيْسَ مَسْلَكاً أُحَادِيَّ الضَّيْقِ ، بَلْ هُوَ "سُلَّمٌ مَعْرِفِيٌّ" تَتَعَدَّدُ مَرَاقِيهِ بِتَفَاوُتِ قُوَى النَّفْسِ وَتَضَافُرِ رَوَافِدِ العَقْلِ . وَإِنَّ تِلْكَ الْمَرَاتِبَ الْعِلْمِيَّةَ تَتَرَامَى فِي عَالَمِ "لَا تَنَاهِي الْكَلِمَاتِ الْإِلَهِيَّةِ" ، حَيْثُ لَا يَقِفُ الطَّمُوحُ الْعِلْمِيُّ عِنْدَ سَقْفٍ مَحْدُودٍ ، بَلْ يَتَصَاعَدُ كُلَّمَا انْجَلَتْ لِلْبَاحِثِ حَيْثِيَّاتٌ مُسْتَجِدَّةٌ فِي مَقَامِ الفَصْلِ بَيْنَ الكُلِّيَّاتِ وَتَعَيُّنَاتِهَا المِصْدَاقِيَّةِ . وَالإِمَامُ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ) هُوَ "العَلِيمُ" الَّذِي اسْتَوْعَبَ بَصَائِرَ اليَقِينِ فِي أَعْلَى مَرَاقِيهَا ؛ فَأَضْحَى فِعْلُهُ مُقَدَّساً عَنْ شَوَائِبِ النَّقْصِ ، وَمُنَزَّهاً عَنْ مَيْلِ الهَوَى ، وَغَدَا ثَبَاتُهُ جَوْهَرَ العَقْلِ وَمُنْتَهَى الحِكْمَةِ ، وَتَدْبِيرُهُ مَنْزِعاً قُدْسِيّاً يَعْلُو طَوْرَ الإِدْرَاكِ البَشَرِيِّ وَطَاقَتَهُ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يُوسُفُ : 76 . (2) الْكَهْفُ : 109 . (3) لُقْمَانُ : 27 . (4) النَّحْلُ : 96